بسم الله الرحمن الرحيم
عندما عشقت صدام . . 
عندما كرهت صدام . .
عندما . . مات صدام
فائق العلي – أبو بكر
قال أبو البقاء الرندي :
لكلّ شيء إذا مــا تمّ نقصـانُ - - فلا يغرّ بطيب العيش إنســانُ
هي الأمور كمـا شـاهدتها دولٌ - - من سـرّه زمنٌ ســـاءته أزمانُ
و هذه الأيــام لا تبقي على أحدٍ - - ولا يـدوم على حــالٍ لها شانُ
وأين الملـوك ذوو التيجان من يمنٍ - -وأين منهم أكــاليل وتيجــان
وأين مـا شـاده شـدّاد في إرم - -وأين ما سـاسه في الفرس سـاسان
وأين ما حـازه قـارون من ذهبٍ - - وأين عـاد وشــداد و قحطـان
أتى على الكلّ أمرٌ لا مـردّ لـه - - حتى قضى فكأن القوم مـا كـانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلكٍ - -كما حكى عن خيال الطيف وسنان
و هذه الأيــام لا تبقي على أحدٍ - - ولا يـدوم على حــالٍ لها شانُ
وأين الملـوك ذوو التيجان من يمنٍ - -وأين منهم أكــاليل وتيجــان
وأين مـا شـاده شـدّاد في إرم - -وأين ما سـاسه في الفرس سـاسان
وأين ما حـازه قـارون من ذهبٍ - - وأين عـاد وشــداد و قحطـان
أتى على الكلّ أمرٌ لا مـردّ لـه - - حتى قضى فكأن القوم مـا كـانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلكٍ - -كما حكى عن خيال الطيف وسنان
عجبت لتقلبات الحياة فلا يدوم على حال فيها شيء ، كل ما فيها يتغير البشر والجماد حتى القلوب ( بين اصبعين من أصابع الرحمة يقلبها كيف يشاء ) ، دول تزول وتقوم أخرى مكانها حتى إذا ما جاء أجلها زالت أيضاً واندثرت ليرث الأرض من بعدهم قوم آخرون .
المهيب الركن صدام حسين رئيس جمهورية العراق أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي حارس البوابة الشرقية و بختنصر العراق الجديد وغيرها و غيرها من الألقاب الرنانة التي لن تقه شيئاً مما حضره له أعداؤه . .
فلا يغرّ بطيب العيش إنسانُ . .
جيش جرار ورفاق بعثيون وضباط كانوا يقفون أمامه باستعداد ليتلقوا ( أوامره الحكيمة ) زالت جميعها ( فكأنها وكأنهم أحلام ) فهل كان يظن يوماً أن هذه نهايته أم أن ما حوله من عظمة صاغها لنفسه و نفخ فيها أعوانه غرتّه فظن أن لن يزول ذلك أبداً .
ذهب هو وأفضى لربه ولا نعلم ما كانت خاتمته أتراه كان مثل الحجّاج الذي لما حضره الموت قال : اللهم إنهم يزعمون أنك لن تغفر لي فاغفر لي ..
أم تراه كان مثل أبي جهل فرعون أمتنا الذي قال قبل أن يموت : نبّئوا محمّداً أني لم أؤمن به .
الله أعلم ولا يحكم على السرائر إلا الله .
أما حكايتي مع صدّام فلعلها تشابه حكاية الكثيرين معه من انتقال بين الحب والبغض والشفقة .
البعض كرهه وبقي على كرهه له حتى بعد موته ، والبعض أحبه وحافظ على ذلك الحب بعد موته ، وآخرون كرهوه ولكن بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق أحبوه وتمنوا عودته وغيرهم و غيرهم ..
أما محدّثكم . .
فقد تنقّل بين الحب والبغض لا تبعاً للأحداث الدولية الجارية وإنما تبعاً لمقدار معرفتي بالدين وأصوله وعقيدته . .
في أيام الثانويّة كنت أحبّه حباً عظيماً بل أعتبره رمز العروبة ( التي حشيت أفكارها في رؤوسنا الصغيرة رغماً عنا عن طريق دروس القومية و التثقيف السياسي ) فكنّا إذ نطابق ما نتعلّمه عن الوطنيّة والقوميّة وعداء الاستعمار على أرض الواقع لا نجد غيره ممثلاً للصمود العربي هو من الأحياء وجمال عبد الناصر من الأموات .
كنت أدافع عنه مستميتاً وأقضي السهرات الطوال مع من يوافقني الرأي في تعداد مناقبه ووصف جيشه وحروبه ، وكلما التقيت بعراقي انتظره أن يحكي لي عن ( السيد الرئيس ) كما ينادونه .
لا يستغربنّ أحدٌ ما أقول إذ كنت جاهلاً ، كنت كما جميع العوام اليوم الذين يقدسون من الأشخاص من أكثر من الجعجعة في عداء أمريكا وإسرائيل حتى وإن كان حليفاً لها في الواقع ، كنا ندافع عنه ونبرر جرائمه بتخوين أعدائه وكأن قتله أو سجنه لأي إنسان هو شهادة له بالخيانة فمقياس الرجولة صدام ومقياس الإباء حب صدام ومعيار الولاء موالاة صدام ( أستغفر الله من كل ذنوبي )، لقد كانت ميزان الولاء و البراء مختلاً فالإنسان والزعيم لا يقيّم بدينه و صحة عقيدته وإنما بإظهاره العداء لإسرائيل ومقدار سعيه لتوحيد الأمة العربية والتحرر من الاستعمار ، لذا كنا نقدس صدام وجمال بل وأحياناً القذافي وغيره .
عرفت طريق الدين القويم والعقيدة الصحيحة التي من ضمن أساسياته ( إن الحكم إلا لله ) وأن لا فرق بين عربي وأعجمي وبين كفر أمريكا وكفر الشيوعيين وبقية الأحزاب العلمانية ، وعلمت أن الكافر المعادي للدين قد يخفي نفسه بثوب الإحرام وهو يطوف بالكعبة أو يصلي صلاة العيد بجوار المفتي ووزير الأوقاف ، وأنه لن يشفع للظالم صلاة ما دام في عنقه دماء مئات العلماء وآلاف الأبرياء ممن لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ( ربنا الله ) .
عندها بدأت مرحلة النسف لكل ما هو معادي للإسلام ، نسفت جمال الذي غدا اسمه ( العبد الخاسر ) ونفست غيره وكان من بين المنسوفين صدام إذ لا مكان في قلبي إلا للذين ( يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه ) والحذر من أن أكون ( ومن يتولهم منكم فهو منهم ) و مالحب إلا لله ثم لمن كان من أولياءه ، وبالطبع لم يكن صدام ممن تنطبق عليه أوصاف المحبوب عندي وأنا أسمع عن ظلمه وجبروته وأهم من ذلك علمانيته التي لم يتخل عنها حتى سقوط حكمه
تغيرت أنا ولكن من حولي لم يتغيروا وبقوا على الحب القديم الذي لم يكن في الله طبعاً وإنما استجابة لنزعات جاهلية ( عشائرية ، عروبية . . ) لذا كنت أصمت عند إثارة موضوعه بين أنصاره لأني اعلم النتيجة سلفاً ولن أنسى اليوم الذي خطبت فيه الجمعة فكان أن ذكرته كمثال على الظلم وبعدها أصبحت لائحتي سوداء عند الأهل والعشيرة لا يرضون مني حقاً إلا ما رحم ربي .
ثم سقط صدام . . .

صدم البعض و أغمي على آخرين ( ممن كنا في حلف واحد ) ولكن معظم عاشقيه لم يصدقوا وبدؤوا يصوغون الأساطير عن دخوله في ( سرداب ) تحت بغداد ( لا تستغربوا عقائد الشيعة إذاً فعندنا أمثالهم ) هو والألوف من جيشه وأنه سيخرج على الأمريكان من تحت الأرض ليفاجئهم ويقضي عليهم .
بدأ المجاهدون بالمقاومة وحصد رؤوس الأمريكان ، فعاد الأنصار ليشيعوا أنه هو القائد العام للمقاومة وأن كل فصائل المقاومة تأتمر بأمره ولم تنفع محاولاتنا لإقناع الناس أنه لا يمكن أن يكون ذلك فمعظم فصائل الجهاد تنتمي للتيار السلفي الجهادي الذي يكفر صدام وأمثاله لذا لا يمكن أن يكونوا تحت إمرته ولكن ( أعيت الصفا من أراد لها ثقباً ) .
ثم اعتقل صدام . . صدم الأنصار مرة أخرى وأعلنوا أنه شبيه له وليس هو ، سكتنا ولم نعقب إذ لا نفع من الكلام ، ولكن الغريب أن المقاومة استمرت بعد القبض على ( زعيمها ) ، لذا لجأ الأنصار إلى حيلة جديدة هي أن المقاومة تقاتل حتى تحرير صدام من الأسر ( بلا دليل طبعاً ) .
واليوم قتل صدام وستستمر المقاومة و يستمر الجهاد .
ولكن من أعدمه . .

أعدمه الذين جاءوا ليقيموا العدالة والديمقراطية في العراق فجعلوها ساحة رعب ومجزرة للأبرياء من أهل السنة .
أعدمه الذين كان كثيرٌ منهم عوناً له في جرائمه السابقة وفجأة أصبحوا معارضين له ثم حاكموه ونسوا أنفسهم ، أعدموه ليدفنوا معه أسرارهم التي أخفوها عن الناس تحت عباءة العداء للنظام البائد .
جلال طلباني ( رئيس جمهورية العراق ) كان الأكراد - الذين أصبح الآن رمزهم القومي – يلقبونه سابقاً بزعيم الجحوش ( وهم قواته ) أي جحوش صدام حيث كان حليف صدام في قتاله للأكراد ، إذ بعد انشقاقه عن حزب البارزاني تحالف مع صدام ضده ويذكر البعض انه كان يركب مع طائرات الهليكوبتر العراقية ليدلهم على مخابئ البيشمركة و مقرات القيادة ليتم قصفها.
ولا تظنوا البرزاني أشرف منه فهو قد تحالف مع إيران ضد أكراد إيران ومع تركيا ضد أكراد تركيا وتسبب الاثنان ( البارزاني و الطلباني ) في مقتل مئات وربما آلاف الأكراد .
وكذلك قيادات الشيعة الذين حالفوا إيران وكانوا مسؤولين عن التحقيق والتعذيب للأسرى العراقيين وساموهم سوء العذاب كما كان لهم الكثير من الجرائم ضد العراقيين بل وحتى ضد الشيعة أنفسهم إبان حكم صدام .
أما الأمريكان فهم كانوا الستر والحامي له لفترة طويلة و لديه أسرار كثيرة عن علاقتهم به ومشاركتهم له في جرائمه . .
لذا كان موته راحة لهم جميعاً . .
وهم الآن يقومون بأضعاف ما قام به صدام سابقاً ، فإن كان حكم بالإعدام لقتله 100 شيعي في الدجيل فإن ميليشيات مقتدى و فيلق الغدر تفتك يومياً بمائة سني أو أكثر يعثر عليهم معصوبي الأعين في ضواحي بغداد . . فكم إعداماً يستحقون
فإن كانوا كشفوا جزءاً من تاريخ صدام فسيأتي يوم تتكشف فيه جرائمهم ولكن أسأل الله أن يكونوا أحياء آنذاك لينالوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة .
كتبها فائق العلي في 03:29 مساءً ::
3 تعليقات
في31,كانون الأول,2006 - 04:46 صباحاً, أسامة مصطفى كتبها ...
الأخ فائق
السلام عليكم
سيرة ذاتية رائعة في وصف أسباب المحبة ومبررات الكراهية
ما أحكم عقل المسلم أخي فائق
وما أبلغ ما بدأت به مقالك بأبيات الرندي في رثاء أشبيليا
شكرا لهذا الطرح المتميز
تحياتي،،،
في31,كانون الأول,2006 - 09:00 صباحاً, فائق العلي كتبها ...
شكرا على مرورك أخ مصطفى . .
الحب والكره ثنائية . .
يتحول الإنسان من إحداهما إلى الأخرى لسبب ما وليس دون سبب
في06,تشرين الثاني,2007 - 07:22 صباحاً, prisedentz كتبها ...
السلام عليكم اخ فائق..اقل مايمكن قوله عن صدام حسين انه مات مرفوع الرأس
اما البقيه الباقيه من حكامنا العرب مازال على قيد الحياه لكنه ذليل الرأس تابع
لغيره فاقد الحيله ...شكرا لك
الاسم: فائق العلي
